الشنقيطي
262
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
المنكرين للبعث وغيرهم من النّاس ، ويحشرهم معهم الشياطين الّذين كانوا يضلّونهم في الدّنيا ، وأنّه يحضرهم حول جهنّم جثيّا . وهذان الأمران الّلذان ذكرهما في هذه الآية الكريمة أشار إليهما في غير هذا الموضع . أمّا حشره لهم ولشياطينهم فقد أشار إليه في قوله : * احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ ( 22 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ ( 23 ) [ الصافات : 22 - 23 ] على أحد التفسيرات . وقوله : حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ( 38 ) [ الزخرف : 38 ] . وأمّا إحضارهم حول جهنّم جثيا فقد أشار له في قوله : وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 28 ) [ الجاثية : 28 ] ، وقوله في هذه الآية الكريمة جِثِيًّا جمع جاث . والجاثي اسم فاعل جثا يجثو جثوا . وجثى يجثي جثيا : إذا جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه . والعادة عند العرب : أنّهم إذا كانوا في موقف ضنك وأمر شديد ، جثوا على ركبهم ، ومنه قول بعضهم : فمن للحماة ومن للكماة * إذا ما الكماة جثوا للرّكب إذا قيل مات أبو مالك * فتى المكرمات قريع العرب وكون معنى قوله جِثِيًّا في هذه الآية ، وقوله وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً الآية - أنّه جثيّهم على ركبهم وهو الظّاهر ، وهو قول الأكثر ، وهو الإطلاق المشهور في اللّغة ؛ ومنه قول الكميت : هم تركوا سراتهم جثيّا * وهم دون السّراة مقرّنينا وعن ابن عبّاس في قوله في هذه الآية الكريمة جِثِيًّا أنّ معناه جماعات . وعن مقاتل جِثِيًّا : أي جمعا جمعا ، وهو على هذا القول جمع « جثوة » مثلثة الجيم ، وهي الحجارة المجموعة والتراب المجموع . فأهل الخمر يحضرون حول جهنّم على حدة ، وأهل الزّنى على حدة ؛ وأهل السّرقة على حدة . . ؛ وهكذا . ومن هذا المعنى قول طرفة بن العبد في معلّقته : ترى جثوتين من تراب عليهما * صفائح صمّ من صفيح منضّد هكذا قال بعض أهل العلم : ولكنّه يردّ عليه أنّ فعلة كجثوة لم يعهد جمعها على فعول كجثى . وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائيّ وحفص جِثِيًّا بكسر الجيم اتباعا للكسرة بعده وقرأ الباقون جِثِيًّا بضم الجيم على الأصل . قوله تعالى : ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا ( 69 ) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا ( 70 ) [ 69 - 70 ] . قوله في هذه الآية لَنَنْزِعَنَّ أي لنستخرجنّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أي من كلّ أمّة أهل